الشيخ علي الكوراني العاملي
407
سيرة أمير المؤمنين ( ع )
سائر الأشياء مصدود ، فإنه كان أهمها وأحق ما بدئ به منها » . وفي المراجعات / 365 : « سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى غزو الروم ، وهي آخر السرايا على عهد النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وقد اهتم فيها بأبي وأمي اهتماماً عظيماً ، فأمر أصحابه بالتهيؤ لها وحضهم على ذلك ، ثم عبأهم بنفسه الزكية إرهافاً لعزائمهم واستنهاضاً لهممهم ، فلم يُبق أحداً من وجوه المهاجرين والأنصار ، كأبيبكر وعمر وأبي عبيدة وسعد وأمثالهم ، إلا وقد عبأه بالجيش . . فخرج بلوائه معقوداً فدفعه إلى بريدة وعسكر بالجرف ، ثم تثاقلوا هناك فلم يبرحوا ، مع ما وعوه ورأوه من النصوص الصريحة في وجوب إسراعهم . . . وطعن قوم منهم في تأمير أسامة كما طعنوا من قبل في تأمير أبيه ، وقالوا في ذلك فأكثروا مع ما شاهدوه من عهد النبي له بالإمارة . . حتى غضب ( ( صلى الله عليه وآله ) ) من طعنهم غضباً شديداً ، فخرج بأبي وأمي معصب الرأس مدثراً بقطيفته محموماً ألماً . . فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال فيما أجمع أهل الأخبار على نقله واتفق أولوا العلم على صدوره : أيها الناس ما مقالةٌ بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ، ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ! وأيم الله إنه كان لخليقاً بالإمارة وإن ابنه من بعده لخليق بها ! وحضهم على المبادرة إلى السير فجعلوا يودعونه ويخرجون إلى العسكر بالجرف ، وهو يحضهم على التعجيل . ثم ثقل في مرضه فجعل يقول : جهزوا جيش أسامة ، أنفذوا جيش أسامة ، أرسلوا بعث أسامة . . لعن الله من تخلف عنه . . وقد تعلم أنهم إنما تثاقلوا عن السير أولاً ، وتخلفوا عن الجيش أخيراً ، ليحكموا قواعد سياستهم ويقيموا عمدها ، ترجيحاً منهم لذلك على التعبد بالنص . وإنما أمَّر عليهم أسامة وهو ابن سبع عشرة سنة ، ليّاً لأعنِة البعض ، ورداً لجِمَاح أهل الجماح منهم ، واحتياطاً على الأمن في المستقبل من نزاع أهل التنافس . . لكنهم فطنوا إلى ما دبر ( ( صلى الله عليه وآله ) ) فطعنوا في تأمير أسامة وتثاقلوا عن السير معه ، فلم يبرحوا من الجرف حتى لحق النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) بربه . . .